بقلم:
د. محمد سليم العوا
هل يتوقف الأمر عند تراجعها أم
أنها أول القصيدة؟!
هل يجوز تسليم من يأتي للجهات الرسمية ويعلن إسلامه إلي أهل دينه السابق؟!
هل يشترط القانون تمكين رجال الدين الأقباط من نصح من يرغب في الإسلام؟!
ما هو دور جهاز أمن الدولة في هذه القضية؟ وهل ساهم حقا في إشعال الفتنة؟!
ما هو مصير إمام مسجد أبوالمطامير و هل يتم الإفراج عن المتهمين بالاعتداء علي
رجال الشرطة؟
أعلن بصفة رسمية عن تسليم وفاء قسطنطين التي كانت زوجة لأحد القساوسة إلي
الكنيسة، وإيداعها دير وادي النطرون الذي يعتكف فيه رأس الكنيسة القبطية البابا
شنودة الثالث تدينا حينا، وسياسة حينا آخر. فهو إذا أراد الوحدة والخلوة
الروحية ذهب إلي هذا الدير، وإذا ألمٌî به أمر يغضبه، أو كان له مطلب يريد من
الحكومة تلبيته اعتكف فيه إلي أن يلبي مطلبه أو يذهب غضبه.
والمسألة التي شغلت مصر كلها، وبقاعا كثيرة أخري في العالم المهتم بها، أن وفاء
قسطنطين التي ذهبت بمحض إرادتها إلي الجهات المختصة عرفا لإشهار إسلامها، وأشيع
مع العلم اليقيني بعدم صحة ذلك أنها قد اختطفت وأكرهت علي الإسلام، وأشيع مع
العلم اليقيني بعدم صحة ذلك أنها وقعت في أحابيل علاقة غرامية مع مسلم أغراها
بالزواج: وأشيع مع العلم اليقيني بعدم صحة ذلك أن إمام أحد المساجد في بلدة
أبوالمطامير مهتم بدعوة النساء المسيحيات إلي الدخول في الإسلام، وأنه هو الذي
أغراها بترك الدين الذي ولدت عليه إلي دينها الجديد... وتكاثرت الشائعات حتي
ولدت الفتنة التي أصيب فيها (55) من رجال الأمن منهم خمسة من الضباط، واعتدي
بالضرب علي صحفي وانتزعت منه آلة تصويره وبطاقته المهنية، وبالتهديد علي صحفية
وانتزع منها المسجل الذي كان تسجل عليه حوارات مع بعض المتظاهرين ورجال الدين
في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ولولا أن حماها رجل قبطي أخذ يصيح في
المحاولين الامساك بها: (انها أختي.. انها أختي) ثم هرب بها من باب خلفي للقاعة
الكبري لأصابها ما أصاب الصحفي من الاعتداء البدني (الصحفي هو مصطفي سليمان من
'الأسبوع'، والصحفية هي نشوي الديب من العربي).
وفي النهاية أودعت وفاء قسطنطين أحد البيوت المخصصة للسيدات الراغبات في
الالتحاق بسلك الرهبنة الأرثوذكسية (بيت المكرسات) النسائية، التي يرجع إلي
البابا شنودة الثالث فضل إحيائها في مصر بعد أن كانت قد أوشكت علي الانقراض،
وأخذ يتردد عليها عدد من كبار رجال الكنيسة (ليعظوها)، وآل الأمر إلي أخذها إلي
نيابة عين شمس (ولا أدري ما وجه اختصاصها؟!) لتسجل في محضر موثق أنها مسيحية
وأنها لم تسلم من قبل، وصرفتها النيابة من دارها.. ليأخذها رجال الكنيسة إلي
ديرها. ونشرت الصحف (المصري اليوم: 16/12/2004) أنه احتفل بعودتها إلي الكنيسة
ووصولها إلي الدير بأن استقبلها البابا، ووزع جاتوه صيامي ومشروبات غازية
محفوظة!!
هل هذه هي خلاصة القصة ونهايتها؟
أم هذه هي البداية التي لم تتم فصولها بعد؟
هذا علمه عند الله وحده. لكن الذي يدخل في علمنا، ويقع في مقدورنا، ويجب علينا
هو أن نجيل النظر فيما حولنا، بل فيما نحن فيه من حال هو حديث كل مجلس، ومحور
كل لقاء، وشاغل كل بيت. وهو حال تعبر عنه أسئلة عديدة تنظر إلي وفاء قسطنطين
وقصتها من مختلف زواياها، وهي أسئلة مشروعة تحتاج إلي إجابات صريحة صحيحة، وذلك
ما تحاول هذه السطور صنع ما تستطيع في سبيل بيانه.
السؤال الأول: يدور حول حق الاعتقاد، وحرية الاختيار فيه ومن الذي يملك القرار
في شأنه، وهو سؤال لا يدور في الفراغ الفلسفي أو الفكري الذي قد يثور فيه مثله
من الأسئلة لكنه يقدم اليوم ليجاب عنه في الواقع المصري الديني والقانوني.
الإجابة القانونية عن هذا السؤال نجدها في نص المادة (46) من الدستور المصري
التي تقول: 'تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية'. ونجدها
في أحكام محكمة النقض التي تواترت علي أن 'للشخص أن يغير دينه أو مذهبه أو
طائفته وهو في هذا وعلي ما جري به قضاء محكمة النقض مطلق الإرادة تحقيقا لمبدأ
حرية العقيدة طالما قد توافرت له أهلية الأداء، واستخلاص هذا التغيير من مسائل
الواقع التي يستقل بها قاضي الموضوع' غحكم محكمة النقض في 24/12/1985 في الطعن
رقم 68 لسنة 53 قضائية ، مجموعة أحكام السنة 36 ج، ص 1170ف.
والسؤال الذي يثيره إخواننا الأقباط، ويثيره المسيحيون الغربيون، عند كل حديث
عن حرية العقيدة في مصر هو سؤال الدين، لا سؤال الدستور والقانون، وسؤال الدين
عندهم يعني: هل يقبل المسلمون أن يخرج من دينهم أحد إلي المسيحية دون أن يعتبر
(مرتدا) تطبق عليه أحكام المرتد المقررة في الفقة الاسلامي؟ وإذا كانوا لا
يقبلون ذلك فما جدوي النصوص الدستورية والأحكام القضائية؟
والجواب بقدر ما يتسع له هذا المقال هو أن الإسلام الدين لا يكره عليه أحد، لا
ابتداء بقبول الدخول فيه رغما عنه ولا بقاء بالاستمرار علي اعتناقه وهو كاره
والقرآن الكريم صريح في ذلك صراحة لا مرد لها. ففيه قول الله تعالي: 'لا إكراه
في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك
بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم' غالبقرة: 256ف ومعني الآية أن
الدين ليس ما تظاهر به الإنسان أو أكره عليه لكن الدين هو الذي ينعقد عليه
القلب، واستعمال القرآن الكريم تعبير (في الدين) يعني أن الاكراه لايجوز في أمر
الدين كله، أي دين كان: فلا إكراه في العقيدة للإيمان بها أو الردة عنها، ولا
إكراه في الشعائر لإقامتها أو للكف عنها، ولا إكراه في الشرائع لا تباعها أو
مخالفتها. ولذلك قال العلماء إن (لا) في هذه الآية تفيد النهي عن الإكراه، كما
تفيد نفي امكان وقوعه، وتفيد الإخبار بأن أمر الدين كله مبناه الاختيار
والتمكين. والذين يخرجون عن دين الاسلام إلي دين غيره لا يعترض علي مجرد
تغييرهم دينهم لكن يعترض علي دعوتهم من كانوا معهم علي الاسلام إلي الدين الذي
اختاروه بدلا منه، لأن هذه الدعوة تدخل تحت مسمي الفتنة في الدين التي يحرمها
القرآن الكريم ويصفها بأنها (أكبر من القتل) و(أشد من القتل). وكذلك لا يجوز
للمسلم، الذي كان يدين بدين آخر، أن يكون داعية للاسلام بين أهل هذا الدين درءا
للفتنة سواء بسواء. ولذلك قلت منذ سنين وأخذ الذين سألوني بقولي إنه لا يجوز أن
تسوق في مصر ولا في أي بلد متعدد الديانات الأشرطة المسجل عليها مناظرات
الأستاذ أحمد ديدات مع بعض رجال الكنيسة البروتستانتية الأمريكية. ولم توزع هذه
الشرائط في مصر منذ ذلك الحين. ونصحت، من قبل نصيحتي، بعدم نشر شرائط عليها
تسجيلات صوتية لبعض القساوسة الذين أسلموا، من أهل السودان، وسجلوا تجاربهم
الإيمانية علي تلك الشرائط، ولم تنشر هذه الشرائط ولم توزع في مصر حتي الآن.
أقول ذلك علانية وأنا أعلم مدي الألم الذي يصيب ملايين المسلمين الذين يشاهدون
محطة فضائية يظهر فيها يوميا شخص يزعم أنه كاهن قبطي يهاجم القرآن الكريم ورسول
الله محمد صلي الله عليه وسلم ويسب الاسلام بأحط ألفاظ السباب، وأقول لمن
يحدثني في أمره 'فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض'
والأحكام الفقهية المقررة في شأن الردة عند المسلمين نوعان: نوع جنائي، وهو غير
مطبق في القانون المصري منذ أكثر من قرنين، فلا محل للتحدث عنه أو التحدي به.
ونوع مدني، متعلق بالزواج وآثاره وما جري مجراه، وهو مقرر بحكم القوانين
الوضعية المطبقة في مسائل الأحوال الشخصية وهو أمر يشترك في تقريره الاسلام
والمسيحية المصرية، إذ تنص المادة (49) من لائحة قوانين الأحوال الشخصية
للأقباط الأرثوذكس الصادرة عن المجلس الملي سنة 1938 علي أنه: 'ينفسخ الزواج
إذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي' وتنص المادة (17) من قانون الأحوال
الشخصية للطائفة الانجيلية بمصر الصادر سنة 1902 علي جواز الطلاق في حالة
اعتناق أحد الزوجين ديانة أخري غير الديانة المسيحية، وتنص المادة (19) من
القانون نفسه علي أنه '.. لا يحكم بالطلاق إلا لصالح الزوج الذي بقي علي دينه
المسيحي' فالمساواة قائمة بين تشريعات المسيحيين المصريين، وتشريعات المسلمين
المصريين في شأن تأثير الخروج من الدين مسيحية كان أم اسلاما علي الرابطة
الزوجية وآثارها. ففيم الجدال والمنازعة والمطالبة بتغيير أحكام قوانين الأحوال
الشخصية للمسلمين إذن؟؟
فلو أن وفاء قسطنطين كانت أكرهت علي الاسلام فإن هذا الاكراه لا يرتب أي أثر،
ولا تصبح الخاضعة له مسلمة. وهي اليوم إن أكرهت علي المسيحية فإن هذا الاكراه
لا يرتب أي أثر ولا تصبح بسببه مسيحية. وأمر عقيدتها بينها وبين ربها، هو أعلم
بها من خلقه أجمعين، وأرحم بها من خلقه أجمعين كذلك.
وإذا كانت وفاء قد أكرهت علي إظهار المسيحية فإن إثم ذلك علي من أكرهها، وعلي
الذين مكنوا له من هذا الإكراه بتسليمها إلي الكنيسة بعد أن أعلنت أنها مسلمة.
وهنا يرد السؤال الثاني، وهو عن مدي جواز تسليم من يأتي إلي الجهات الرسمية
مسلما إلي أهل دينه السابق قبطا كانوا أم غيرهم؟
إن الجواب عن هذا السؤال يأتينا من القرآن الكريم مباشرة، من قول الله تبارك
اسمه في سورة الممتحنة: 'يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات
فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلي الكفار لا
هن حل لهم ولاهم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا..' إلخ الآية العاشرة من السورة.
والمقصود بالامتحان هنا أن يتأكد أن سبب إسلام المرأة هو رغبتها في الدين،
وأنها لم تخرج بغضا لزوج أو رغبة في ترك أرض إلي أرض، أو طلبا لدنيا (تفسير
القاسمي ج 16 ص 5770، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ص 1426). وقد خصت
الآية الكريمة النساء بالذكر لأن لانبي صلي الله عليه وسلم كان قد شرط لقريش أن
يرد إليهم من جاءه مسلما من قريش وحلفائها فأراد الوحي أن يبين أن هذا الشرط
خاص بالرجال دون النساء.
والحاصل أنه لا يجوز رد المرأة التي أتت إلي المسلمين مسلمة إلي أهل دينها
الأول مهما يكن السبب. ولا يقال هنا إن الكنيسة المصرية قد أقرت منذ زمن عمر بن
الخطاب بمقتضي كتاب عمرو بن العاص علي أن لأساقفتها السلطة الدينية علي
الأقباط، لأن هذه الشروط وهي صحيحة ثابتة تجري علي من كان مسيحيا، أما الذين
يدخلون في الإسلام فإن الولاية التي للكنيسة عليهم تسقط بمجرد إسلامهم، ويصبح
الحاكم المسلم أو من يقوم مقامه هو صاحب الولاية عليهم، وإن كانوا من أهل
الولاية الواجبة، أو تصبح ولايتهم لأنفسهم إن كانوا من أهل الرشد، كالسيدة وفاء
قسطنطين البالغة من العمر ثمانية وأربعين عاما.
وقد أوجب الله تعالي علي المؤمنين امتحان النساء اللاتي يأتين إليهم مؤمنات، أي
معلنات الإيمان، للتأكد من صدق هذا الإعلان والاستيثاق من أن الإسلام لا يتخذ
مطية للتهرب من مضارة زوج أو ضيق وطن أو سببا لكسب مال أو نوال دنيا.
وهذا يجرنا إلي السؤال الثالث عن الاجراء الذي تتبعه الحكومة المصرية، ويشترطه
الأزهر بشهر الإسلام، وهو تمكين بعض رجال الدين الأقباط من نصح من يرغب في
الإسلام أو وعظه لعله يعود إلي سابق عهده ويبقي علي مسيحيته.
وهذا الاجراء مصدره العرف المصري وحده. وقد تردد، في الكتابة عن قصة وفاء
قسطنطين، علي ألسنة صحفيين ورجال دين مسيحيين ومسلمين أن القانون يفرض اجراءات
معينة لشهر إسلام القبطي أو القبطية منها ضرورة أن تتاح له فرصة الخلوة برجل
دين مسيحي ليعظه وينصحه، وأن شهر الإسلام لا يتم إلا بإعلان رجل الدين أن الطرف
المعني مستمسك بالإسلام، وهذا الكلام عن (القانون) الذي (يفرض) هذه الاجراءات،
كله غير صحيح، فهذه المسألة لا ينظمها قانون في مصر أصلا، وإنما جري بها العرف
منذ زمن بعيد لم أجد من يعرف بدايته! ولعلها جاءت تحريفا للأمر بامتحان
المؤمنات الوارد في سورة الممتحنة غآية 10 سالفة الذكرف لتطييب قلوب إخواننا
الأقباط وطمأنتهم أن أحدا لن يخرج عن المسيحية إلي الإسلام إلا بعلمهم، ولذلك
وسع المصريون نطاق الامتحان فجعلوه شاملا للرجال والنساء معا، وتنازلوا عن
واجبهم في اجرائه إلي اخوانهم الكهنة الأقباط تأكيدا لروابط الاخوة الوطنية.
ولكنه ليس في الاجراءات المتبعة في مصر، ولا في غيرها من بلاد الأرض قاطبة،
اجراء يتيح، أو يبيح تسليم شخص أعلن إسلامه إلي أهل دينه السابق، ولذلك قلت في
'الأسبوع'، في عددها الماضي 'إن هذا التسليم في ميزان الإسلام خطيئة غير جائزة'
والذي فعله، مختارا غير مكره، والذي أمر به آثم ديانة، ومرجع القول في إثمه هذا
إلي الله عزوجل.. ولم يقع في تاريخ الإسلام (منذ 1425 سنة) أن سلٌم رجل جاء
مسلما إلي غير المسلمين من أهل دينه السابق. والذين انطبق عليهم نص صلح
الحديبية من الرجال لم يكونوا عند دولة تحميهم بسلطانها وداخل حدودها بل كان
لقاؤهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في أثناء عقد الصلح بالحديبية نفسها
بالنسبة إلي أحدهما وتمكن الآخر من الهرب من حارسيه بعد أن قتل أحدهما وهما
راجعان به إلي مكة، وشكل هذا الرجلان، مع نفر قليل آخر، كمينا دائما في طريق
قوافل قريش اضطر معه أبو سفيان أن يذهب إلي المدينة طالبا من محمد صلي الله
عليه وسلم ضمهم إليه ومعلنا تنازل قريش عن شرطها أن يرد إليها من جاء من
قبائلها وأحلافها مسلما(!)
ولذلك غضب الناس، في مصر وخارجها، من تسليم وفاء قسطنطين إلي الكنيسة، ولم يذهب
بشيء من غضبهم أنها استقبلت بحفل وزع فيه الجاتوه، ولا أنها عيٌنت مهندسة
زراعية بالكاتدرائية. (مع أن هذا التعيين فيه عدوان علي سلطة الدولة التي تعمل
لديها المهندسة وفاء في مديرية الزراعة بمدينة أبو المطامير، وقانون العاملين
المدنيين بالدولة يحظر علي العامل أن يؤدي أعمالا للغير بأجر أو مكافأة ولو في
غير أوقات العمل الرسمية.....).
وقابل غضب الناس من تسليم وفاء إلي الكنيسة، بعد أن أعلنت إسلامها، غضب قيادات
الكنيسة من رجال مباحث أمن الدولة لأنهم تأخروا في تسليم وفاء إليهم نحو تسعين
دقيقة مما أدي إلي غضب البابا شنودة الثالث وذهابه إلي الدير، وامتناعه عن
إلقاء درسه الأسبوعي (يوم الأربعاء) لأسبوعين متتاليين حتي الآن وإعلان بعض
رجال الكنيسة علي لسانه أنه لن يعود من الدير حتي 'تحل كل مشاكل الأقباط'.
وهذا الغضب يثير السؤال الرابع عن دور جهاز أمن الدولة في هذا الشأن، وهل يجوز
أن يبعد هذا الجهاز عن الشأن الديني القبطي كما يطالب بعض أصدقائنا المخلصين من
الأقباط توقيا لاحتمالات الفتنة؟
إن الأصل في الدولة وأجهزة أمنها أنها مسئولة عن أمن مواطنيها وسلامتهم، فالذي
يعتدي علي ماله يذهب شاكيا إلي الشرطة، والذي يعتدي علي سمعته يشكو إلي الشرطة،
والذي يعتدي علي جسده يشكو إلي الشرطة، والذي يعتدي علي حريته أو بيته يشكو إلي
الشرطة، والذي يعتدي علي عقيدته يشكو إلي الشرطة. وكل هؤلاء قد تكون أسباب
شكواه صحيحة وقد تكون متوهمة، وهو في جميع الأحوال لا يؤاخذ، إلا إذا توافرت في
حقه أركان جريمة البلاغ الكاذب، لأن الدستور قد كفل في مادته رقم (63) حق
الشكوي للمواطنين كافة.
وجهاز أمن الدولة منوط به متابعة النشاط السياسي والفكري والثقافي والديني،
وواجبه هو التدخل لمنع وقوع ما، يعكر علي حرية المواطنين في هذه المجالات أو
غيرها مما يدخل في اختصاصه. وإلي هذا الجهاز آل أمر التحري عن صحة إعلان
الراغبين في الانتماء إلي الإسلام من غير المسلمين أو عدم صحته، وهذا التحري
تضمن نتيجته في محضر رسمي يبلغ إلي الجهة المعنية في الأزهر الشريف مع نتيجة
اللقاء بين الراغب في الإسلام وبين رجل الدين الممثل لكنيسته، فكيف تمنع الصلة
بين جهاز أمن الدولة وبين مسألة إشهار الإسلام؟ ولمن نعقد هذا الاختصاص بالتحري
عن صدق العزم أو كذبه؟ هل نعهد به إلي المباحث الجنائية المسئولة عن تتبع
الجرائم، أم نتركه بلا جهة تختص به فننقص بذلك من الضمانات التي تقدمها الدولة
المصرية لصالح الأديان الأخري، سوي الإسلام، أن بنيها وبناتها لن يïغٍروا أو
يïغٍووا للدخول في دين الإسلام؟
نعم! إن لجهاز أمن الدولة مواقف وتصرفات لا نقرها، وننتقدها، ونعلن أنها لا
تجوز، وعندما يتيح لنا القانون أن نذهب بها إلي المحاكم فإننا نفعل ذلك دون
تردد، لكن هذا أمر والإغراء بإلغاء الاختصاص الصحيح، أو تحويله من أهله، أمر
آخر تماما. ولو أن جهاز أمن الدولة أخطأ في معالجة واقعة وفاء قسطنطين لكان هذا
القلم أول لائم له وأشد منتقد لخطئه. لكنني لم أجد فيما نشر كله ما يلام عليه
ضباط هذا الجهاز أو إدارته. اللهم إلا أن يكونوا قد سلموا وفاء قسطنطين إلي
الكنيسة مختارين غير مكرهين فعندئذ يستحقون ما قدمت ذكره من التخطئة والتأثيم!
لقد حدثتني الصحفية نشوي الديب أنها رأت رجال الشرطة يقفون علي بعد نحو خمسين
مترا من مقر الكاتدرائية، ويسمعون الهتافات المستفزة لكل مصري عاقل، ولكل مسلم
أيا كانت جنسيته أو وظيفته، ومع ذلك لا يتحركون نحو أولئك الهاتفين قيد شعروة:
قالت لي: وعندما أراد ضابط برتبة اللواء أن يتقدم نحو القساوسة الذين كانوا في
مقدمة المتجمهرين داخل الكاتدرائية ليتحدث إليهم هتف به أحدهم قائلا: 'مكانك من
فضلك.. نحن سنتولي كل شيء'. قالت نشوي الديب: فرجع الضابط إلي مكانه!!
ثم لنقل بصراحة: ما الذي كان مقصودا من تسليم وفاء قسطنطين إلي الكنيسة؟ ولماذا
لم يجر اللقاء بها في مكان لا يخضع لسيطرة الكنيسة؟ وكيف تضمن حريتها وعدم
التأثير علي إرادتها وهي داخل بيت تابع للكنيسة ليس فيه إلا عدد من الراهبات
أو اللاتي يعددن للرهبنة ولا يدخل عليها فيه إلا اللجنة الكنسية المكلفة
بمناقشتها في توجهها إلي الإسلام؟
إن هذا السؤال الخامس في قصة وفاء يجيب عليه الناس جميعا أعني الذين
سمعتهم وناقشتهم وهم كثر بأنها لابد أن تكون أكرهت علي الموقف الذي أعلن النائب
العام في بيانه المنشور يوم الجمعة 17/12/2004 أنها أبلغت به نيابة عين شمس.
ولا أحد يستطيع أن يقطع بصحة ذلك أو بنفيه. ولكن مجرد مظنة وقوعه كانت ولا
تزال وستظل كافية لعدم السماح به. ولا يقال، كما قيل علي بعض رجال الكنيسة
(إسلام أون لاين 12/12/2004): إن لوفاء وضعا خاصا لأنها زوجة كاهن قبطي، لأنها
في النهاية والبداية مواطنة مصرية يجب أن تكفل لها حقوق كل مواطن في حرية
الاعتقاد وحمايته، وفي حمايتها من أي إكراه قد تتعرض له في شأن حقها في حرية
اعتقادها. وضمان هذه الحرية لا يتم أبدا وهي في يد جهة تعتبر نفسها معنية
بالأمر كله لأن لها ولاية دينية علي المنتمين إلي الكنيسة القبطية.
والعجيب أن قضاء محكمة النقض المصرية مستقر علي أنه لا يجوز إخطار الجهة
الدينية التي كان يتبعها الراغب في تغيير دينه أو ملته أو طائفته، فهي تقول
مثلا: 'والقول بوجوب إخطار الجهة الدينية التي تتبعها الطائفة أو الملة القديمة
لا مفهوم له إلا أن يكون لهذه الجهة الحق في أن توافق أو أن تعترض علي حصول
التغيير وهو وضع شائك' والحكم الذي يقول به: 'يكون قد خالف القانون وأخطأ في
تطبيقه بما يوجب نقضه' (حكم محكمة النقض في 22/3/1966) فإذا لم يكن للكنيسة
الحق في أن توافق أو أن تعترض بموجب القانون المقرر في البلاد علي إسلام
المسيحي فلماذا يكون الإصرار علي تسليمه إليها، والغضب من تأخير هذا التسليم
تسعين دقيقة؟ وإذا كان التغيير أمرا 'يتصل بحرية العقيدة ومن ثم فهو ينتج أثره
بمجرد الدخول فيه وإتمام طقوسه ومظاهره الخارجية الرسمية ولا يتوقف علي إخطار
الطائفة القديمة' (نقض 31/1/1968: وهو مبدأ مقرر مطرد في قضاء المحكمة بلا
خلاف) ففيم الغضب الذي أدي بقداسة البابا إلي ترك القاهرة إلي الدير؟ وإذا كان
الأمر مجرد عرف قديم هدفه تطييب قلوب إخواننا الأقباط فهل يجوز أن يصور علي أنه
جريمة ارتكبها الأمن؟
ويسأل الناس سؤالا سادسا عن الذين اعتدوا علي رجال الأمن فأصابوا منهم خمسة
وخمسين بينهم خمسة من الضباط؟ وعن الموقف من التهم التي ثبت عدم صحتها والتي
وجهت إلي المهندس الزراعي محمد علي مرجونة وإلي إمام المسجد وواعظ مركز أبو
المطامير الشيخ ناجي عبد اللطيف؟
والجواب أن المصابين من رجال الشرطة لهم وأنا أري أن عليهم أن يبلغوا
النيابة التي تباشر التحقيق فيما تعرضوا له من اعتداءات بادعائهم مدنيا ضد
المتهمين، وأن يستمسكوا بذلك إلي منتهي ما توصلهم إليه المقاضاة أمام المحاكم،
لأن هذا هو العاصم الوحيد من تكرار هذا الاعتداء غير المسئول علي رجال الشرطة
الذين كان يحرسون الكاتدرائية ويحولون بين المتظاهرين فيها وبين الخروج إلي
الشوارع. إن في القانون المصري جرائم اسمها التجمهر، ومقاومة السلطات، ومنع
موظف عمومي من أداء وظيفته... إلخ. ولن يغيب عن النيابة الوصف الصحيح لجريمة
الذين اعتدوا علي رجال الشرطة، لكنني أخشي أن تضطر النيابة إلي إخلاء سبيل
المتهمين، كما اضطرت لقبول دخول وفاء قسطنطين إلي مكتب وكيل نيابة عين شمس
لتدلي بأقوالها في حضور المحامين الموكلين عن الكنيسة وبعض الأساقفة بعد أن ظل
وكيل النيابة المحترم متمسكا لمدة تزيد علي الساعتين بدخولها منفردة لأنها
مبلغة غير متهمة ولا تحتاج إلي محام ليحضر معها، ولأنه لا صفة لرجال الدين في
الدخول إلي غرفة التحقيق.. ثم جري ما كان خلافا لإرادته!! لذلك أدعو الضباط
والجنود المصابين إلي الادعاء مدنيا لعرقلة أية إجراءات ترمي إلي إغلاق ملف
واقعة الاعتداء عليهم دون أن يحصلوا علي حقهم الأدبي في إدانة الجانين!
أما المهندس محمد علي مرجونة، والواعظ الشيخ ناجي عبد اللطيف، فإن ما نسب
إليهما يقع تحت طائلة النصوص المجرمة للقذف والسب. ولهم وأنا أري أنه عليهم
أن يبادرا برفع دعوي مباشرة عما اتهم به كل منهما زورا وبهتانا، بعد أن تبينت
الحقيقة وأنه لا ناقة لهما فيما جري ولا جمل.
ولا يسوغ أن يقال إن هذه الإجراءات التي أدعو إلي اتخاذها ستشعل فتيل الفتنة
الطائفية وتمنع إنهاء المسألة برمتها بالصمت الذي يراد الآن فرضه علي القوم
كلهم فيها. لا يقال ذلك لأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع. ويوم اعتدي علي
الأقباط في الكشح كنا من أوائل من أدانوا الاعتداء، وطالبوا بمحاكمة المتهمين،
ونشرت في 'الأهرام العربي' ما لم ينشره أحد من رواية الحبر الجليل الأنبا
صموئيل الأسقف الذي دارت الأحداث في نطاق كنيسته ومن أقوال القساوسة الذين أتوا
معه من الكشح إلي القاهرة. والإنصاف خلق لا يصح أن يعمل في جانب واحد، وإلا كان
تحيزا بغيضا أو تحاملا ظالما. وقد أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نقول
للمحسن أحسنت كما نقول للمسيء أسأت. وحين يطبق القانون علي الجميع تسترد الدولة
هيبتها وتؤكد سيادتها. أما إذا استثني من القانون ولو فردا واحدا فإن العدل
يخبو وينكسر والظلم يطفو وينتشر، وتعم الفوضي وتفقد الثقة، وبمثل ذلك يهلك الله
العامة والخاصة جميعا.
السؤال الأخير في قصة وفاء قسطنطين وجهه إليٌî صديق شاب، قال: ما الحكم إن كانت
هذه السيدة جدلا واستفهاما فقط قد أرغمت علي إعلان أنها مسيحية لم تزل، وما
الحكم إن أدي شعورها بالقهر لو صح ذلك السؤال الجدلي إلي وفاتها أو مرضها؟
قلت له لو كان الأمر كما تقول، فإن لها سلفا في الصحابة الذين أريد إكراههم علي
ترك الإسلام فأبوا، وقتل بعضهم (خبيب بن عدي) بعد أن قال في أبيات جميلة
رواها التاريخ عنه :
'ولست أبالي حين أقتل مسلما
علي أيٌ شق كان في الله مضجعي!
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك علي أوصال شلو ممزع
فلست بمبدي للعدو تخشعا
ولا جزعا، إني إلي الله مرجعي'.
وسأله قاتلوه: 'أتحب أن يكون محمد هو الذي تضرب عنقه وأنك في أهلك'؟ فقال: 'لا
والله، ما يسرني أني في أهلي، وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه، تصيبه شوكة
تؤذيه'.. فهذا ما بقي من قصة وفاء قسطنطين، والحمد لله رب العالمين |