صالون ايجيبتى

على مقهى في الشارع السياسي الأمريكي

                                                        بقلم ضياء بخيت

                                                        واشنطن

جهل وعنصرية ومعايير مزدوجة

الكاتب ضياء بخيت


مناقشات الكونجرس الأمريكي حول الصفقة التي قد تقوم بموجبها شركة إماراتية من دبي بإدارة تسهيلات الشحن البحرية في ميناء بلتيمور وخمسة موانئ أمريكية أخرى، عكست عنصرية وجهلا من جانب كثير من المشرعين الأمريكيين بل وساعدت في تشويه صورة العرب والنظر إليهم "جميعا" على أنهم "إرهابيون!"  وللأسف المشككين في العرب هم من يتشدق بضرورة "احترام الأخر وحسن معاملته!"

 

حجة الرافضين في الكونجرس تنطوعي على عنصرية واضحة لأنها ترفض الشركة كونها عربية وليس على أساس أدائها في العمل! الشركة مركزها المالس أكثر من ممتاز وجودتها في العمل أكثر من رائعة. ولكن الرافضين يرون أن العرب لا يوثق بهم لأن الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر كان بينهم اثنان من الإمارات. وبالطبع استغل كل عضو معارض وكل كاتب كاره للعرب هذه المعلومة بالتحديد للنيل من العرب وتعميم صفة الإرهاب عليهم.

 

أتمنى أن يفيق العرب ويعرفوا أن صورتهم مشوهة بدرجة كبيرة لا تقل عن صورة الولايات المتحدة في العالم العربي نفسه. ولكن الفرق هو أن أمريكا، ناهيك عن إعلامها الموجه للعرب منذ مطلع الخمسينات،  تحركت بسرعة وشنت حملات جديدة شملت إطلاق فضائيات عربية ومحطات إذاعة وصحف ومجلات بالعربي وتعاقدت سرا مع صحفيين عرب يكتبون دعما لها ولسياساتها بعد أن أدركت هول ما تعانيه صورتها عند العرب والمسلمين بعد الحرب على أفغانستان والعراق. ولكن العرب لم يفيقوا بعد ولم يدركوا أن صورتهم تشوهت بدرجة أخطر مما كانت عليه مطلع القرن الماضي وأن عليهم هم أنفسهم أن يساعدوا في تحسين هذه الصورة النمطية، بل ويسعوا إلى أن يكون لهم تأثير على الأمريكيين يحاكي التأثير الأمريكي على العرب. 

 

ثمة فرق كبير بين الشباب العربي والشباب الأمريكي، فأغلبية شباب العرب يسمعون الأغاني الغربية ليل نهار ويشاهدون الأفلام الأمريكية ليل نهار ويأكلون  الماكدونالدز والكينتاكي ليل نهار بل ويتحدثون بالإنجليزية بلكنة أمريكانية في كلامهم مع عامة الشعب إلى حد بدأت تضيع فيه اللغة العربية. في حين أن الغالبية العظمى من الشباب الأمريكي لا يعرف عن العرب أو لغتهم أو موسيقاهم أو أفلامهم شيئا بل ويعتقد غالبية الأمريكيين أن العرب مازالوا يركبون الجمال ويعيشون في خيام في الصحراء والبادية! وقد سألني في يوم من الأيام صديق أمريكاني يعمل صحفيا ويفترض أنه مثقف معروف: "هل لديكم في مصر طماطم وبامية مثلنا؟" فأجبته، بل وعندنا أيضا بني آدميين. فضحك وقال "آسف. فنحن هنا في أمريكا لا نعرف إلا القليل جدا عن العالم العربي وأغلبه من  ما نشاهدة في السينما أو على التلفزيون من اضطرابات وعنف وقتل وانفجارات وانتهاك حقوق المرأة!"

 

باختصار صورة العرب (مسلمين ومسيحيين) مشوهة للغاية وبحاجة إلى تحسين عن طريق جهد منظم ومتواصل. وربما هذا يكون السبب الذي يدفع الغرب إلى تأييد الأراء المعادية للعرب بصفة عامة! وربما تجلى ذلك في أزمة الرسوم الكاريكاتورية التي تسيئ للرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام والتي دافع عنها الغرب بذريعة "حرية التعبير!"

 

قبل أيام أدانت محكمة بريطانية كن لنفنجستون عمدة لندن بتهمة "تشبيه صحفي يهودي بحارس معسكر اعتقال نازي" واعتبرتها إهانة في حق الصحفي. أما الإهانات في حق المسلمين فلا يعبأ بها الغرب، بل يشجعها أحيانا! ما يضحك هو أن موقعBBC  بالانجليزية في اليوم التالي نشر خبرا مع صورة لأبو جمزة المصري (جزء من الحرب الدعائية طبعا)، بعنوان "على المسلمين 'أن يقبلوا'  بحرية التعبير، بما في ذلك "حرية أن يهين الناس بعضهم بعضا!" حسب تصريح للسير تريفور فيليبس رئيس لجنة المساواة العرقية في بريطانيا.

 

قلنا من قبل إن التشدق بمبدأ "حرية التعبير" مجرد كلام فارغ ولا قيمة له إذا مس الأمر محرقة اليهود على أيدي النازي. الغرب دائما ما يستخدم معايير مزدوجة عندما يتورط. والمثال هنا واضح وجلي في التعامل مع نكران المحرقة ونكران حق المسلمين وإهانة رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم. بعض الدول الأوروبية سارعت من قبل وسنت قوانين لمعاقبة كل من ينكر محرقة اليهود الهولوكوست أو تثبت عليه تهمة معاداة السامية.

 

في المقال السبق تحدثت عن المؤرخ البريطاني الشهير ديفيد إرفنج الذي أرخ للحرب العالمية الثانية. إرفنج حكم عليه الاسبوع الماضي بالسجن ثلاث سنوات بتهمة "جريمة نكران الهولوكوست" أو محرقة اليهود. الإدعاء النمساوي غضب جدا واستأنف الحكم ووصف العقوبة بأنها "تافهة ومخففة جدا" ولا ترقى إلى مستوى تهمة نكران المحرقة. وهناك من يطالب في أوروبا بأن يقضي إرفنج بقية حياته في السجن مذموما مدحورا لمعاداته السامية.

 

تهمة إرفنج تتلخص في رأيه الذي تحدث عنه بصراحة في منتصف الثمانينات عندما قال إنه "لا يوجد أي دليل دامغ على وجود غرف للغاز في معسكر الأوشفيتس" النازي في بولندا. الصحف الأوروبية وحتى البريطانية طاردته وهاجمت آراءه وبالطبع هللت للحكم عليه بالسجن ولم تناقش ما دأبت على تسميته "حرية التعبير!"

 

ما فعله النازيون باليهود جريمة نكراء بكل المقاييس ولا تقل إجراما أو بشاعة عن ما فعله الفرنجة بالمسلمين والعرب على مدى ما يقرب من مئتي سنة في فترة عرفت باسم الحروب الصليبية، وأذكر واقعة ذكرت في كتاب "الصليبيون" تروي أن جنود الفرنجة في أنطاكيا كانوا يقتلون الجنود المسلمين ويأكلون لحومهم ويسيرون في شوارع المدينة يقولون "لحم المسلمين طيب الطعم، حسب رواية أحد أحفاد الصليبيين في كتابه.

 

أتمنى أن يأتي اليوم الذي تسن فيه أوروبا قوانين تجرم من يعادي الإسلام والمسلمين والعرب أويحض على كراهيتهم، خاصة وأن إعلام المحافظين الجدد يشن حملة مستديمة استعرت في السنوات الأربع الماضية تشوه صورة العرب والمسلمين والدين الإسلامي الحنيف. ولكن على المسلمين أن يشنوا حملة إعلامية مضادة لتعريف الغرب بالاسلام وبرسوله الكريم ودحض ما يقولوه الحاقدون.

 

الوعي يبدأ من أمريكا، وربما كان موقف الحكومة الأمريكية الذي أدان الرسوم المسئية للرسول الكريم خطوة مهمة يجب البناء عليها مع ضرورة التأكيد على أن حرية التعبير لا تعني اللامسؤولية  أو ممارسة العنصرية والحض على كراهية الأخر بدون مساءلة أو محاسبة وعقاب.

 

بعض الأمريكيين البسطاء الذين أطلعوا على موقع لمنظمة إسلامية أمريكية عن حياة الرسول الكريم، أظهروا تعاطفا مع المسلمين زانتقدوا الرسوم المهينة التي أساءت له وللإسلام. هذا التعاطف جاء نتيجة الوعي الذي بدأ ينتشر في الولايات المتحدة بفضل جهود المنظمات الإسلامية الأمريكية، والتي تعقد مؤتمرات صحفية وتتصل بوسائل الإعلام وتنشر صفحات على الانترنت للتعريف بالإسلام وبحياة الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم. ولا يزال الطريق طويلا ويحتاج إلى جهود مكثفة لتعريف الغرب أجمع بالدين الإسلامي وسماحته.

 

ع الماشي :

أتمنى أن يخصص الأزهر جزءا من ميزانيته لترجمة معاني القرآن والسنة النبوية الشريفة بلغات العالم المختلفة وبأسلوب مبسط يقدم للعالم فكرة عن الإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.  والألف ميل تبدأ دائما بخطوة واحدة.

 

 

مقالات أخرى :