ونحن هنا بالتأكيد لا نملك إلا كل الاحترام لنجوم الفن الشعبى الذين ذكرناهم والذين احترموا معنى كلمة الفن الشعبى والمطرب الشبعى والغناء الشعبى نفسه ، لكننا نقصد تلك النوعية من الأغنيات التى يقدمها بعض الأشخاص ، سوف استخدم لهم مؤقتاً لقب مغنيين وعذراً لذلك حتى لا أرهقك بمسميات أخرى أخجل من وصفها ، المهم ندخل الآن لنرصد حالة تحدث كل دقيقة فى مجتمعنا ، ربما ليس مجتمعك أنت إنما هى بالفعل مجتمعات موجودة ، بل تمثل النسبة الأكبر والأهم فى مجتمعنا و هى الأحياء الشعبية بما فيها من ناس طيبين يمثلون الأغلبية فى مجتمعنا ويعتبرون هذا النوع من الفن هو الذى يعبر عنهم ، ويبحثون عن المتعة فى وسط زحام الحياة حتى لو بفرح شعبى فى الشارع يشاهدون فيه نجوم هذا النوع من الغناء ، هؤلاء النجوم محدودو الشهرة التى لا تعرف النجومية وأضواء الكاميرات و بلاتوهات السينما واستديوهات الصوت الكبيرة طريقها لهم حتى الآن مثل بعض زملائهم وآخرهم كان عماد بعرور الذى عرفت أضواء النجومية طرقها إليهم بعدما اختاره السبكى للمشاركة بدور فى أحد أفلامه اشتهر فى هذا المجال بعدة أغنيات كان على رأسها " كعبو كعبو .. حبيبى وأنا لاعبه " وبعض الأغنيات الأخرى التى أخجل من كتابة مفرداتها على الورق حصلت عليها أثناء بحثى فى هذه النوعية ، بعرور لم يكن الوحيد الذى عرف طريق النجومية ، حيث سبقه إليها سعد الصغير أحد المنتمين إلى هذا العالم ، والذى حقق قمة نجاحه بإحدى أغنياته وهى " العنب " التى سنتوقف عندها بعد قليل ، وبعيداً عن الصغير وبعرور هناك عشرات الأسماء غيرهما دون أن يعرفهم أحد سوى أبناء حتتهم مثل التربين الذى حقق انتشاراً وشعبية فى حلوان والمناطق المجاورة لها بأغنية يقول فيها " ولع ولع حريقة ..ولعها وطفيها .. أنا فيها لاخفيها " والأغنية الأكثر انتشاراً له " الحالة جت "نسيت أن أخبرك بألا تحاول وضع الكلمات التى تقرأها على أى لحن لأنها لا تخضع بالفعل لأية جملة لحنية سمعتها فى حياتك حيث تعتمد معظمها على الارتجال المصاحب للفرقة الموسيقية التى يقوم فيها " الأورج والطبلة " بدور البطولة ، حيث أنك من الممكن ألا تفهم شيئاً من المطرب وتعتمد فقط على الإيقاع الموسيقى الموجود خلفه .
هناك أيضاً فى هذه العالم يمكنك أن تتعرف على بوسى التى لم أعرف اسمها إلا عندما لاحظت أن المغنى الذى يشاركها الغناء يقوله ضمن الأغنية ، وهى للعلم أغنية دويتو وهى من أنواع الغناء النادرة فى هذه النوعية من الأغنيات ، الأغنية كتب عليها " على السرير " وتقول " وأنا نايمة على السرير .. سمعت فار تحت السرير ..بيخربش بيقرمش .. جيبت عصاية وضربت الفار طلع يجرى على الجدار " كما يمكنك أيضاً أن تستمع للريمكسات التى يقوم بها رامز دى جى " كما يطلق على نفسه " وأكثرها انتشاراً وشهرة ريمكس أغنية " حب إيه " للسيدة أم كلثوم لكن هذه المرة بصوت جورج وسوف واللمبى معاً ، والأهم من ذلك عندما تجد نفسك أمام أغنية كبار النجوم ، لكن على طريقة الأفراح الشعبية أو يمكن أن تطلق عليها طريقة اللمبى الذى شوه إحدى روائع السيدة أم كلثوم ولم يقف أحد ليحاسب محمد سعد صاحب الشخصية الشهيرة ، حيث يمكنك أن تستمع إلى قصيدة " أغداً ألقاك " للسيدة أم كلثوم ويغنيها شخص على موسيقى راقصة ويعيد فى كوبليهاتها بأسلوب مستفذ غرضه الوحيد فيه أن يرقص من أمامه ونفس الحال تقريباً فى أغنية " قدرت خلاص تبعد عنى " التى غنتها أنغام قبل سنوات ، وببعض الخطوات القليلة داخل هذا العالم تجد نفسك أمام " البانجو ده مش بتاعى .. البانجو جه معرفوش .. معرفش حتى شكله علشان مبشربوش " ..
والحالات كثيرة لكننا بالتأكيد لن نتوقف هنا لذكر كل ماسمعناه ، لكن يبقى السؤال كيف تنتشر هذه الأغنيات بهذا الشكل السريع ؟ والإجابة عرفنانها من الموبايلات فى البداية التى يقوم أصحابها بتسجيل هذه الأغنيات أثناء وجودهم فى تلك الأماكن ويبدأون فى نشرها بين أصدقائهم حتى تصل لمواقع الإنترنت والمنتديات التى يزورها الآلاف يومياً ، والسبب الأقوى فى نشر مثل هذه الأغنيات هو الألبومات المضروبة التى تنتشر على الأرصفة ليس فقط فى الأحياء الشعبية إنما فى الراقية أيضاً مثل ما يحدث فى شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين وتساهم تلك الألبومات التى تتم طباعتها وتداولها بدون أية رقابة أو دون عرضها على المصنفات تماما كما هو الحال فى الأغنيات نفسها الموجودةبداخلها فى انتشارها بشكل هائل ، أما أماكن تسجيل تلك الأغنيات فتكون عادة فى استوديوهات صغيرة ويطلق عليها " استديوهات تحت السلم ، وهى منتشرة فى كل أنحاء القاهرة ، وتتولى إنتاجها أيضاً شركات " تحت السلم " ولا يزيد سعر شريط الكاسبت عادة على 2.5 جنيه فقط ليستطيع الجميع من جمهور هذه الأغنيات الحصول عليها .
أثناء وجودى فى هذا العالم الخاص وجدت اسما تكرر ذكره فى عدد كبير من هذه الأغنيات وهو جمال البرنس وشقيقه اشرف البرنس عرفت بعد ذلك أن جمال البرنس هو ملحن أغنية "العنب " لسعد الصغير وكتب اسمه على تيتراتها أثناء عرضها على الرغم من الانتقادات الكثيرة التى واجهها سعد بسبب طريقة تصويره لها ، وعرفنا بعد ذلك أيضاً أن جمال البرنس وشقيقه أشرف هما صاحبا مزيكا " المولد " و " البوابة " و " الدلوعة " المنتشرة بقوة فى هذا العالم والتى يحرص معظم نجومه على الاستعانة بها فى الأفراح التى يقومون بإحيائها لحفلات أو أفراح مثلما يفعل تامر حسنى الذى يستعين بموسيقى المولد فى حفلاتهم ، لذلك قررنا أن نتحدث معه لنعرف منه كواليس هذا العالم الذى يعتبر هو الأشهر فيه ونتعرف عليه أيضاً وعلى نوعية المزيكا لتى يقدما ..
بدأ جمال حديثه معنا قائلاً : " أنا عازف أورج معتمد فى نقابة المهن الموسيقية حيث تعاونت مع العديد من المطربين الشعبيين على رأسهم رمضان البرنس ـ رحمه الله ـ ثم قمت بعد ذلك بتلحين عدة أغنيات له ولسيد إمام وعدد آخر من المطربين الشعبيين ، ثم قمت بعد ذلك بعمل مقطوعة موسيقية أطلقت عليها " البوابة " وبعد ذلك " المولد " و " الدلوعة " منذ عام ونصف العام تقريباً وكان معى شقيقى أشرف فى كل هذا وقمنا بإصدار هذه الموسيقى فى ألبوماته منفصلة ، وهى البومات مثل " عاشق الأوكورديون " الذى أصدره حسن أبو السعود وغيرها ، ويضيف جمال ، وللعلم هذه النوعية من الموسيقى حققت نجاحاً كبيراً بمجرد نزولها إلى الأسواق .
سألته : هل أنت المسئول عن أن بعض المطربين الشعبيين يستخدمون هذه الموسيقى فى أغانيهم ؟
فقال : عندما لحنت هذه الموسيقى قمت بإصدارها فى ألبوم وهى مقطوعات يستعين بها بعض المطربين من تلقاء أنفسهم ولا يمكننى أن أمنع ذلك فى كل أفراح مصر .
وعن انتشار هذه النوعية من الأغنيات وأسباب ذلك قال " الشعب دلوقتى مبقاش يسمع بودانه ، الناس دلوقتى بتسمع بوسطها ، كل الناس عايزه اللحن اللى يرقص ، أما انتشارها فهو أيضاً بسبب الشعب لأنه أصبح يحب هذه النوعية ويسمعها علشان كده لازم تنتشر , قلت الأدب يعنى ، فقال ليست لى علاقة بهذه النوعية من الأغنيات من الأغنيات والدليل أغنية " العنب " فلن تجد فيها أى لفظ خارج ، إنما هى جميلة ولحنها بيرقص .
سألته من جديد : هل تخصصت فقط فى نوعية الأغنيات الشعبية التى حققت شهرتك ، فقال " لا أحب أن يضعنى أحد فى منطقة الشعبى أنا قادر على تلحين أغنيات لهانى شاكر لكن الفرص لم تتح لى حتى الآن ، والفرص التى أمامى هى فى الشعبى ، لذلك أحاول أن أستغله بمجموعة ألحان قوية أثبت فيها نفسى .
أخبرنى : كيف تقوم بتأليف مقطوعة مثل المولد والتلحين للمطربين الشعبيين ؟
" أكتب نوته موسيقية باللحن حتى يستطيع الموسيقيون أداءه وأحياناً يسمع المطرب اللحن على الكمبيوتر ليعرف كيف يغنيه .
إلى هنا انتهى حديثنا مع جمال البرنس أحد نجوم الموسيقى الشعبية البعيدة عن الإفيهات أو الكلمات المبتذلة .
لكننا هنا نعود من جديد لنؤكد على احترامنا للفن الشعبى النظيف ونجومه الذين ذكرناهم فى البداية ، ولا ننكر أبدا أن هذا النوع من أغنيات الشوارع لها نجومها وجمهورها الذى يمثل النسبة الأكبر من الجمهور فى المجتمع وهو الجمهور الذى نحترمه ونحترم ذوقه أيضاً ، لأن فى النهاية هذا اللون الغنائى يعبر عن حالة يعيشها ملايين الأشخاص فى أماكن تواجدها ، لكننا ضد من يحاول تلويث أذواقنا وفرض إفيهات معينة علينا فى أدائه لمثل هذه الأغنيات.